تتجه المفوضية الأوروبية نحو إدخال نمذجة معلومات البناء BIM بصورة أكثر وضوحًا ضمن الإطار التنظيمي للمشتريات العامة في الاتحاد الأوروبي، إذ تتضمن مسودة متداولة لمقترح Public Procurement Act توجهًا لإلزام الجهات المتعاقدة بطلب استخدام BIM في مشاريع الأشغال العامة التي تبلغ قيمتها 25 مليون يورو أو أكثر.
ويأتي المقترح ضمن عملية أوسع لإصلاح منظومة المشتريات العامة الأوروبية، تستهدف استبدال التوجيهات الأوروبية الثلاثة الصادرة عام 2014 بإطار تنظيمي موحد. ومن المتوقع أن تقدم المفوضية الأوروبية المقترح رسميًا في 9 سبتمبر 2026، فيما تؤكد المعطيات المتاحة حاليًا أن الوثيقة المتداولة لا تزال مسودة عمل أولية قابلة للتعديل خلال المراحل التشريعية المقبلة، ولم تُعتمد بصيغتها النهائية بعد.
BIM يدخل بصورة مباشرة في تنظيم مشاريع الأشغال الكبرى
بحسب المسودة، سيكون على الجهات العامة المتعاقدة اشتراط استخدام Building Information Modelling – BIM في عقود الأشغال التي تساوي قيمتها أو تتجاوز 25 مليون يورو.
ويكتسب المقترح أهمية خاصة بالنسبة لقطاع البناء والهندسة، لأنه ينقل BIM من كونه خيارًا أو متطلبًا مرتبطًا ببعض السياسات والممارسات الوطنية إلى عنصر تنظيمي يمكن أن يصبح جزءًا مباشرًا من قواعد المشتريات العامة على مستوى الاتحاد الأوروبي.
كما تمنح المسودة المفوضية الأوروبية صلاحية خفض عتبة الـ25 مليون يورو مستقبلًا، ما قد يؤدي، في حال اعتماد النص، إلى توسيع نطاق المشروعات التي يتعين فيها تطبيق أساليب وأدوات الإدارة الرقمية للمعلومات الهندسية.
ومن منظور إدارة المشاريع، يمكن لمثل هذا التوجه أن يعزز توحيد متطلبات المعلومات، ورفع مستوى التنسيق بين الأطراف، وتحسين إدارة البيانات الهندسية خلال مراحل التصميم والتنفيذ، إلى جانب دعم عمليات المتابعة والتشغيل وإدارة دورة حياة الأصول.
من التوجيهات الأوروبية إلى إطار موحد للمشتريات
الإصلاح المقترح لا يقتصر على BIM، بل يستهدف إعادة هيكلة المنظومة التشريعية للمشتريات العامة الأوروبية من خلال جمع القواعد الموزعة حاليًا بين عدة توجيهات في إطار تنظيمي موحد.
وتشير الوثيقة المتداولة إلى توجه نحو إنشاء منظومة أكثر ترابطًا بين أنظمة المشتريات الوطنية والأوروبية، مع تقليل الاختلافات الناتجة عن طرق تطبيق القواعد الأوروبية بين دولة وأخرى.
ويمثل هذا التحول أهمية مباشرة لقطاع التشييد، الذي يشكل أحد أكبر مجالات الإنفاق العام، نظرًا إلى حجم البيانات والعقود والأطراف المشاركة في مشاريع البنية التحتية والمباني العامة.
إيطاليا سبقت المقترح الأوروبي بعتبة أقل
وتبرز إيطاليا بوصفها إحدى الدول الأوروبية الأكثر تقدمًا في تطبيق متطلبات الإدارة الرقمية للمعلومات في المشروعات العامة.
فبموجب المادة 43 من قانون العقود العامة الإيطالي، أصبح استخدام أساليب وأدوات الإدارة الرقمية لمعلومات البناء إلزاميًا منذ 1 يناير 2025 للمشروعات التي تتجاوز قيمتها مليوني يورو.
وتعني هذه العتبة أن نطاق الإلزام الإيطالي الحالي أوسع بكثير من العتبة البالغة 25 مليون يورو الواردة في مسودة المقترح الأوروبي.
ويفتح هذا الاختلاف قضية تنظيمية مهمة تتعلق بكيفية التوفيق مستقبلًا بين المتطلبات الأوروبية الموحدة والتشريعات الوطنية التي سبقتها إلى اعتماد مستويات أكثر تقدمًا من الرقمنة وBIM.
منظومة بيانات مترابطة للمشتريات العامة
إلى جانب BIM، تركز الإصلاحات المقترحة على تطوير بنية رقمية متكاملة للمشتريات العامة تعتمد على قابلية التشغيل البيني وتبادل البيانات بصورة آمنة بين الجهات والمؤسسات.
وتتضمن التصورات المطروحة إنشاء خدمات إلكترونية للتحقق من متطلبات ومؤهلات المتقدمين، إلى جانب تطبيق مبدأ Once Only الذي يهدف إلى تقليل تكرار طلب البيانات نفسها من الشركات والمتعاملين مع الجهات الحكومية.
كما سيكون على الدول الأعضاء، وفق المسودة، إنشاء مساحات وطنية لبيانات المشتريات العامة وربطها بالمنظومة الأوروبية، بما يسمح بتطوير بيئة بيانات أكثر تكاملًا وقابلية للتحليل والتبادل.
وبالنسبة لقطاع البناء، يمكن أن يتقاطع هذا التوجه بصورة مباشرة مع بيئات البيانات المشتركة CDE ومنهجيات إدارة المعلومات المستخدمة في مشاريع BIM، خصوصًا مع اتساع الاعتماد على النماذج الرقمية وقواعد بيانات الأصول خلال دورة حياة المشروع.
خطوة تتجاوز النمذجة ثلاثية الأبعاد
الأهمية التقنية للمقترح لا ترتبط فقط باستخدام النماذج ثلاثية الأبعاد، إذ إن تطبيق BIM ضمن منظومة المشتريات العامة يتطلب تحديدًا أكثر دقة لمتطلبات المعلومات، وهياكل تسليم البيانات، ومسؤوليات الأطراف، وآليات تبادل واعتماد المعلومات طوال مراحل المشروع.
وقد يدفع ذلك الجهات المتعاقدة والاستشاريين والمقاولين إلى تطوير قدراتهم في مجالات إدارة المعلومات الهندسية، وبيئات البيانات المشتركة، والتنسيق الرقمي، وإدارة النماذج والبيانات المرتبطة بالأصول.
كما قد يسهم توسيع نطاق BIM على المستوى الأوروبي في رفع مستوى توحيد الممارسات الرقمية بين الأسواق المختلفة، وتسهيل مشاركة الشركات الهندسية والمقاولين في المشروعات العابرة للحدود.
المقترح لا يزال في مرحلته التشريعية الأولى
ورغم الأهمية المحتملة للمقترح، فإن عتبة 25 مليون يورو ومتطلبات BIM الواردة حاليًا يجب التعامل معها باعتبارها جزءًا من مسودة قيد التداول وليست التزامًا قانونيًا نافذًا.
ومن المنتظر أن تمثل 9 سبتمبر 2026 أول محطة رئيسية عند تقديم المفوضية الأوروبية النص الرسمي، لتبدأ بعدها مراحل المناقشة والتفاوض ضمن الإجراءات التشريعية الأوروبية.
وبالتالي، فإن الصيغة النهائية لمتطلبات BIM ونطاق تطبيقها والعتبات المالية المرتبطة بها قد تشهد تعديلات قبل إقرار التشريع بصورة نهائية.
وفي حال بقاء بند BIM ضمن النص النهائي، فإن الإصلاح قد يمثل تحولًا تشريعيًا مهمًا في مسار رقمنة قطاع البناء الأوروبي، عبر ربط نمذجة معلومات البناء بصورة مباشرة بقواعد المشتريات العامة، وتحويل إدارة المعلومات الرقمية تدريجيًا إلى متطلب تنظيمي أساسي في المشروعات العامة الكبرى.