في توجه يجمع بين التخطيط العمراني المستدام، ونمذجة معلومات البناء BIM، ونظم المعلومات الجغرافية GIS، والبحث العلمي التطبيقي، استضافت شركة الشام للإدارة ورشة عمل متخصصة لإطلاق المشروع البحثي «باسيليا سيتي – المدينة السورية المستدامة»، برعاية محافظة دمشق وبالتعاون مع الجامعة الافتراضية السورية ونقابة المهندسين – فرع دمشق، وبمشاركة باحثين وطلاب من ماجستير إدارة ونمذجة معلومات البناء BIMM.
وتأتي الورشة بالتزامن مع الانتقال إلى مراحل جديدة من العمل في منطقة باسيليا سيتي، بما يمنح المشروع البحثي بعدًا عمليًا يتجاوز الدراسات النظرية، من خلال التعامل مع مبانٍ ومخططات ومكونات عمرانية واقعية داخل المدينة، وتحويلها إلى حالات دراسية يمكن تحليلها رقميًا، وتقييم أدائها، واقتراح تعديلات هندسية عليها، ثم قياس أثر هذه التعديلات وفق منهجيات كمية واضحة.
ويرتكز المشروع على فكرة أساسية تتمثل في أن تحقيق الاستدامة في المدن الجديدة لا يمكن أن يعتمد على توصيات عامة أو مفاهيم نظرية منفصلة عن المشروع، وإنما يحتاج إلى نمذجة فعلية للمعايير وتطبيقها على حالات واقعية ودراسة النتائج قبل التطوير وبعده، وصولًا إلى أدلة ومفردات تصميمية وهندسية قابلة للاعتماد والتطبيق.
تحويل باسيليا سيتي إلى مختبر بحثي تطبيقي للاستدامة
ويهدف المشروع البحثي إلى دراسة باسيليا سيتي بوصفها حالة عمرانية متكاملة يمكن من خلالها اختبار مجموعة من منهجيات الاستدامة والتقانات الهندسية الرقمية على مستوى المبنى والمنطقة والمدينة.
وبدلًا من اقتصار أبحاث طلاب الماجستير على نماذج افتراضية أو حالات دراسية منفصلة عن الواقع المحلي، يقوم التوجه البحثي على اختيار نماذج حقيقية من المباني والمخططات المقترحة في باسيليا سيتي وإعادة بنائها وتحليلها ضمن بيئات BIM، ومن ثم دراسة أدائها من عدة جوانب تشمل كفاءة الطاقة، واختيار المواد، والتصميم المعماري والعمراني، وإدارة المشروع، ومدى استجابتها لمتطلبات الاستدامة المناسبة للبيئة المحلية.
ويوفر ذلك للباحثين إمكانية بناء قاعدة مقارنة واضحة بين الحالة الأساسية للمبنى أو التصميم كما هو مقترح، والحالة المطورة بعد إدخال حزمة من التعديلات والتحسينات الهندسية.
وهنا تكتسب الأبحاث أهمية خاصة؛ إذ لا يكون الهدف مجرد القول إن أحد الحلول «أكثر استدامة»، وإنما محاولة الإجابة عن أسئلة هندسية قابلة للقياس، مثل: ما مقدار التحسن المتوقع في أداء الطاقة؟ وما أثر تغيير مواصفات الغلاف الخارجي؟ وهل يمكن خفض استهلاك المواد أو اختيار بدائل أكثر ملاءمة؟ وما تأثير هذه القرارات على التكلفة والتنفيذ والصيانة ودورة حياة المبنى؟
منهجية «قبل وبعد» لقياس أثر الحلول المقترحة
ومن أبرز الجوانب التطبيقية التي يمكن أن تميز المشروع اعتماد منهجية مقارنة قبل وبعد التطوير.
ففي المرحلة الأولى، يقوم الباحث بتوثيق النموذج الأساسي للمبنى أو الجزء العمراني محل الدراسة، وإعداد نموذج BIM يحتوي على المعلومات الهندسية المتاحة المتعلقة بالعناصر المعمارية والإنشائية والمواد والفراغات والواجهات والفتحات وغيرها من المعطيات ذات الصلة.
بعد ذلك تُجرى عمليات تحليل وتقييم للحالة القائمة أو المقترحة Before لتشكيل خط أساس يمكن القياس عليه.
وفي المرحلة التالية، يعمل الباحث على تطوير بدائل تصميمية أو تقنية تستجيب لمتطلبات الاستدامة، ليتم إنشاء نموذج مطور After ودراسة أثر التحسينات المقترحة رقميًا.
وبذلك تتحول الدراسة إلى عملية موثقة تقوم على:
النموذج الأصلي → التحليل → تحديد نقاط الضعف → تطوير البدائل → تعديل نموذج BIM → إعادة التحليل → مقارنة النتائج.
وتتيح هذه المنهجية إظهار القيمة الحقيقية لأي تعديل مقترح، وربط القرارات التصميمية بمؤشرات أداء قابلة للمقارنة بدل الاكتفاء بالتقييم الوصفي.
دراسات متخصصة لرفع كفاءة الطاقة في مباني باسيليا سيتي
ويشكل أداء الطاقة أحد المسارات المهمة التي يمكن لأبحاث المشروع تناولها من خلال نماذج مبانٍ واقعية.
وتشمل الدراسة تحليل العلاقة بين شكل المبنى وتوجيهه، ونسب الفتحات، والواجهات، والغلاف الحراري، والمواد المستخدمة، والتظليل، والتعرض للإشعاع الشمسي، إضافة إلى المتطلبات التشغيلية للمبنى.
ومن خلال بناء نموذج معلوماتي دقيق، يمكن اختبار سيناريوهات متعددة واقتراح تعديلات تهدف إلى تقليل الأحمال الحرارية وتحسين أداء الغلاف الخارجي ورفع كفاءة استخدام الطاقة.
وقد تشمل المقترحات، بحسب طبيعة كل حالة بحثية، دراسة تحسين العزل الحراري، وتعديل خصائص الزجاج، وإعادة تقييم نسب الفتحات، وإضافة عناصر التظليل، وتحسين توجيه بعض العناصر، أو مقارنة أنظمة ومواد مختلفة من حيث أدائها.
ولا تكمن القيمة العلمية في اقتراح هذه الحلول فقط، وإنما في إعادة تحليل المبنى بعد تطبيقها ومقارنة النتائج مع النموذج الأصلي، بحيث تظهر نسبة التحسن التي حققها كل قرار تصميمي.
وهذا النوع من الدراسات يوفر أساسًا أكثر دقة لاتخاذ القرار، إذ يسمح للمصمم أو المطور بمقارنة عدة سيناريوهات واختيار الحل الذي يحقق التوازن الأفضل بين الأداء والتكلفة وإمكانية التنفيذ.
المواد بين الأداء والكفاءة والأثر البيئي
ويركز أحد المحاور البحثية كذلك على اختيار المواد الخضراء والمستدامة ودراسة أثر القرارات المتعلقة بالمواد على أداء المبنى.
وتسمح منهجية BIM بربط كل عنصر إنشائي أو معماري بخصائصه ومعلوماته، الأمر الذي يفتح المجال أمام إجراء مقارنات بين بدائل مختلفة من المواد من حيث الخصائص الفنية والعمر الافتراضي وكفاءة الاستخدام ومتطلبات الصيانة.
كما يمكن أن تتجه الدراسات إلى تقليل الهدر وتحسين الكميات، ودراسة مدى إمكانية الاستفادة من المواد المحلية، ومقارنة الحلول من منظور دورة الحياة بدل النظر إلى التكلفة الأولية فقط.
ويعني ذلك الانتقال من اختيار المادة اعتمادًا على مواصفة منفردة إلى تقييم أكثر تكاملًا يدرس أداء المادة ضمن النظام الكامل للمبنى.
وبالنسبة لباسيليا سيتي، يكتسب هذا المحور أهمية إضافية لأن تكرار نماذج أو حلول إنشائية ومعمارية على عدد كبير من المباني يجعل لأي تحسين في اختيار المواد أو تقليل الهدر أثرًا تراكميًا على مستوى المنطقة بأكملها.
BIM كمنصة مركزية للأبحاث وليس مجرد أداة رسم ثلاثي الأبعاد
ويضع المشروع نمذجة معلومات البناء BIM في قلب العمل البحثي، ليس بوصفها وسيلة لإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد فقط، وإنما باعتبارها منظومة لإدارة معلومات المشروع وربط نتائج الدراسات المختلفة بنموذج هندسي موحد.
فالنموذج الرقمي يمكن أن يصبح مستودعًا يحتوي على بيانات العناصر والمواد والكميات والأداء ومراحل المشروع، ويوفر بيئة مشتركة يستطيع الباحثون من خلالها مقارنة البدائل وتوثيق التعديلات والعودة إلى مصدر واحد للمعلومات.
ويتيح هذا النهج ربط تخصصات كانت تُدرس سابقًا بصورة منفصلة، بحيث يستطيع الباحث في الاستدامة العمل على نموذج هندسي يحتوي في الوقت ذاته على معلومات مرتبطة بالعمارة والإنشاء والمواد والكميات والطاقة وغيرها من البيانات.
كما يمثل المشروع فرصة لدراسة كيفية توطين منهجيات BIM بما يتلاءم مع البيئة الهندسية السورية، بدل نقل المعايير والممارسات الدولية بصورة حرفية دون دراسة مدى ملاءمتها للواقع المحلي.
أربعة مسارات بحثية للاستدامة
وتضمن برنامج الورشة تخصيص محور لشرح المسارات البحثية بالتفصيل بمشاركة باحثين من دفعة تخرج ماجستير إدارة ونمذجة معلومات البناء، مع توزيع الدراسات على مجموعة من المحاور المتكاملة.
ويأتي في مقدمتها محور التخطيط المستدام، الذي يتناول المدينة والمنطقة على نطاق أوسع، والعلاقة بين توزيع الكتل العمرانية والخدمات والبنية التحتية والحركة والبيئة الحضرية.
أما محور التصميم العمراني والمعماري المستدام فينتقل إلى دراسة العلاقة بين شكل المبنى والفراغات والواجهات والتوجيه والبيئة المحيطة، بهدف البحث عن حلول تحقق أداءً أفضل دون الإخلال بالمتطلبات الوظيفية أو المعمارية.
ويختص محور اختيار المواد الخضراء بدراسة بدائل المواد ومعايير اختيارها وربطها بالأداء والكفاءة ودورة الحياة.
فيما يعالج محور إدارة المشاريع المستدامة كيفية إدخال معايير الاستدامة ضمن مراحل التخطيط والتصميم والتنفيذ والمتابعة، بحيث لا تبقى الاستدامة قرارًا تصميميًا منفردًا وإنما تتحول إلى جزء من منظومة إدارة المشروع.
وتكمن أهمية تقسيم المشروع إلى مسارات متعددة في أن المدينة المستدامة لا تنتج عن حل تقني واحد، وإنما عن تكامل القرارات العمرانية والمعمارية والهندسية والإدارية والمعلوماتية.
حالات دراسية توثيقية لمبانٍ واقعية
ويمثل الاعتماد على Case Studies حقيقية من باسيليا سيتي أحد أهم أبعاد المشروع البحثي.
فكل دراسة يمكن أن تتحول إلى ملف توثيقي متكامل يبدأ بوصف الحالة الأصلية للمبنى، ثم تحديد خصائصه ومشكلاته وفرص التطوير، وصولًا إلى إعداد السيناريوهات البديلة وتحليل نتائجها.
وبهذا الأسلوب يمكن إنتاج سلسلة من الدراسات لا تقتصر فائدتها على الباحث الذي أعدها، بل تشكل تدريجيًا قاعدة معرفية سورية تتضمن أمثلة حقيقية على كيفية تطبيق الاستدامة وBIM على مشاريع محلية.
وقد تتضمن كل حالة دراسية توثيق النموذج الأصلي، وتحديد معايير التقييم، وإظهار نتائج التحليل الأولية، وتسجيل التعديلات المقترحة وأسبابها، ثم إعداد النموذج المطور وإعادة التحليل، قبل إصدار مقارنة نهائية بين الحالتين.
وعند تطبيق هذا المنهج على مجموعة متنوعة من المباني يمكن استخلاص أنماط متكررة، ومعرفة الحلول التي حققت نتائج جيدة أكثر من مرة، وهي خطوة مهمة قبل تحويل المخرجات البحثية إلى توصيات أو أدلة فنية قابلة للتعميم.
من البحث الأكاديمي إلى أدلة تصميمية قابلة للاستخدام
ولا يتوقف هدف المشروع عند إنجاز رسائل أو مشاريع تخرج، بل يسعى إلى تحويل مخرجات هذه الأبحاث إلى أدلة وكتيبات ومعايير ومفردات واضحة يمكن أن يستفيد منها المصممون والمهندسون والجهات المشرفة على المشروع.
وتقوم الفكرة على دراسة المعايير الدولية أولًا، ثم تحليل مدى مناسبتها للمناخ والبيئة والتشريعات والإمكانات المحلية، واختبارها عمليًا على نماذج من باسيليا سيتي.
وبعد عملية الاختبار يمكن إعادة صياغة هذه المتطلبات بصورة أكثر واقعية لتناسب التطبيق المحلي، بدل اعتماد معايير يصعب تنفيذها أو لا تتناسب بصورة كاملة مع ظروف المشروع.
وهنا يظهر الدور الذي يمكن أن يؤديه البحث العلمي في بناء المواصفة الهندسية، إذ تتحول النتائج من أرقام ضمن بحث جامعي إلى أساس فني يمكن أن يسهم في توجيه مشاريع فعلية.
تكامل BIM وGIS لإدارة المنطقة على مستوى المدينة
وشهدت الورشة أيضًا محاضرة متخصصة حول دور نظم المعلومات الجغرافية GIS في التخطيط العمراني المستدام قدمتها الدكتورة شذى الجراقي، رئيس قسم الأصول في شركة دمشق الشام القابضة، تناولت خلالها إمكانات الأنظمة الجغرافية في دعم الإدارة المتكاملة للمناطق التنظيمية.
ويمثل التكامل بين BIM وGIS أحد الاتجاهات الأساسية في التحول الرقمي للمدن، إذ يعمل BIM بتفاصيل عالية على مستوى المبنى أو الأصل، بينما يوفر GIS السياق المكاني الأوسع للمدينة وشبكاتها وقطعها ومرافقها.
وعند الجمع بينهما يصبح بالإمكان الانتقال من إدارة مبنى منفرد إلى بناء نظام معلومات حضري مترابط يمكن أن يحتوي على بيانات المباني والأصول والبنية التحتية والمواقع والخدمات.
وفي مشروع بحجم باسيليا سيتي، يمكن أن يوفر هذا التكامل مستقبلًا قاعدة مهمة لإدارة الأصول، وربط المباني بالموقع والطرق والمرافق والشبكات، ودعم عمليات التشغيل والصيانة واتخاذ القرار.
إدارة الفرق البحثية ضمن مشروع متعدد التخصصات
كما تناولت الورشة إدارة الفرق البحثية في مشروع باسيليا سيتي – المدينة السورية المستدامة، في ظل تعدد الموضوعات والاختصاصات التي يعمل عليها الباحثون.
وتبرز الحاجة إلى هذا الجانب التنظيمي لأن مخرجات دراسة الطاقة، على سبيل المثال، قد تتقاطع مع دراسة التصميم المعماري واختيار المواد والكلفة وإدارة المشروع، وبالتالي فإن العمل بصورة منفصلة قد يؤدي إلى توصيات متعارضة.
أما إدارة الدراسات ضمن إطار مشترك فتسمح بمقارنة النتائج وربطها والوصول إلى توصيات أكثر اتساقًا.
ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع بوصفه نموذجًا لـ البحث التعاوني متعدد التخصصات، حيث لا ينتج كل طالب مشروعًا منفصلًا بصورة كاملة، وإنما يساهم في بناء جزء من منظومة بحثية أوسع تتناول المدينة من مستويات متعددة.
تطوير إطار سوري للاستدامة بدل استنساخ النماذج الخارجية
ومن القضايا الأساسية التي يطرحها المشروع الحاجة إلى تحديد ما الذي تعنيه المدينة المستدامة في السياق السوري تحديدًا.
فمعايير الاستدامة العالمية تشكل مرجعًا أساسيًا، لكن اختلاف المناخ، والمواد المتاحة، وأساليب البناء، والبنية الاقتصادية، والتشريعات، وأنماط استخدام المباني يجعل من الضروري إعادة دراسة الأولويات محليًا.
ولذلك يمكن لأبحاث باسيليا أن تساعد على تحديد الإجراءات التي تحقق أكبر أثر ممكن مقابل القدرة الفعلية على التطبيق، بدل بناء نموذج نظري متقدم لا يمكن تنفيذه عمليًا.
ويشمل ذلك تحديد الأولويات في الطاقة والمواد والتصميم والصيانة وإدارة المشروع، ومن ثم تحويلها إلى مستويات ومتطلبات يمكن دمجها ضمن الأدلة الهندسية.
إطلاق دليل نمذجة معلومات البناء السوري
وفي ختام الورشة، أعلنت الدكتورة سونيا أحمد، مديرة الورشة والاستشارية للشؤون الفنية وإدارة المشاريع في شركة الشام للإدارة، إطلاق دليل نمذجة معلومات البناء السوري، الذي تم إعداده وتدقيقه بالتعاون مع لجنة مشتركة من المختصين في محافظة دمشق ونقابة المهندسين – فرع دمشق والجامعة الافتراضية السورية.
وبحسب القائمين على المبادرة، يمثل الدليل خطوة باتجاه تأسيس مرجعية سورية لتنظيم ممارسات BIM وإدارة المعلومات في المشاريع الهندسية.
وتتجاوز أهمية الدليل تحديد طريقة إعداد النموذج ثلاثي الأبعاد، لتشمل بناء قواعد أكثر وضوحًا لإدارة المعلومات وتبادلها، وتحديد المسؤوليات، وتنظيم العلاقة بين أطراف المشروع، وتطوير إجراءات عمل تتلاءم مع التحول نحو المشاريع الهندسية الرقمية.
كما يمكن النظر إلى الدليل والمشروع البحثي لباسيليا سيتي بوصفهما مسارين متكاملين: الأول يسعى إلى تنظيم منهجية BIM، بينما يوفر الثاني بيئة فعلية لاختبار جانب من هذه المفاهيم ضمن مشروع عمراني واقعي.
من نموذج BIM إلى أداة لاتخاذ القرار
ويكشف المشروع عن تحول أوسع في مفهوم BIM داخل البيئة الأكاديمية والمهنية، من نموذج يستخدم لإنتاج المخططات والتنسيق الهندسي إلى منصة لدعم القرار.
فعندما يستطيع فريق المشروع مقارنة مبنى قبل التعديل وبعده، ومراجعة أثر تغيير مادة أو واجهة أو نظام تصميمي على الطاقة والكميات والأداء، يصبح النموذج الرقمي أداة للمفاضلة بين السيناريوهات.
وهذا التحول مهم بصورة خاصة في المراحل المبكرة من التصميم، لأن القدرة على تعديل القرار رقميًا قبل التنفيذ أقل تكلفة بكثير من اكتشاف المشكلة بعد بدء الأعمال.
وتسمح هذه المقاربة كذلك بتوثيق أسباب اتخاذ القرار، بحيث لا تكون النسخة النهائية من التصميم نتيجة سلسلة تعديلات غير موثقة، وإنما نتيجة عملية تحليل ومقارنة يمكن الرجوع إليها وقياسها.
دور الجامعات في إنتاج حلول هندسية لمشروعات فعلية
وتحمل مشاركة طلاب ماجستير إدارة ونمذجة معلومات البناء في الجامعة الافتراضية السورية دلالة إضافية تتعلق بالعلاقة بين الجامعة والممارسة المهنية.
فبدل أن تبقى مشاريع التخرج ضمن نطاق أكاديمي مغلق، يمكن استخدام المشكلات الفعلية التي تواجه المشاريع العمرانية كموضوعات بحثية، على أن تعود النتائج إلى القطاع الهندسي بصورة توصيات ومقترحات قابلة للتقييم.
وهذا النموذج يخلق مسارًا متبادلًا؛ تحصل الجامعات على بيانات وحالات عملية حقيقية، بينما تستفيد الجهات المهنية من وقت وجهد الباحثين والمنهجيات العلمية الحديثة.
كما يمنح الطلاب خبرة مختلفة، لأن الباحث لا يتعامل فقط مع نموذج مثالي أُنشئ لغرض أكاديمي، وإنما مع مشروع تحكمه قيود معمارية وإنشائية واقتصادية وتنفيذية حقيقية.
نحو قاعدة بيانات لأداء مباني باسيليا سيتي
وعلى المدى الأبعد، تفتح الأبحاث المتعددة على مباني المنطقة إمكانية بناء قاعدة بيانات معرفية عن أداء النماذج العمرانية والمباني المختلفة في باسيليا سيتي.
فإذا تم توحيد جزء من منهجية التوثيق ومؤشرات القياس، يمكن مقارنة نتائج الدراسات المختلفة واستخلاص مؤشرات عامة حول الحلول الأكثر كفاءة.
وقد يؤدي ذلك إلى تطوير مكتبة رقمية تضم الحالات المدروسة، والنماذج الأصلية والمعدلة، والمعايير المستخدمة، ونتائج المقارنة، والتوصيات الناتجة عنها.
وهذه القيمة التراكمية أكبر من قيمة كل مشروع بحثي منفرد، لأنها تحول الجهد الأكاديمي إلى معرفة مؤسسية قابلة للتحديث وإعادة الاستخدام.
باسيليا سيتي كحالة تأسيسية للتحول العمراني الرقمي
بهذا المنظور، لا تقتصر ورشة «باسيليا سيتي – المدينة السورية المستدامة» على إطلاق مجموعة من الأبحاث، بل تقدم تصورًا لكيفية الربط بين المشروع العمراني والجامعة والنقابة والجهات التنظيمية والمطورين والتقانات الرقمية ضمن بيئة عمل واحدة.
ويمنح اعتماد مبانٍ واقعية، وإجراء تحليلات قبل وبعد، وتطوير تعديلات مرتبطة بكفاءة الطاقة والمواد والاستدامة، المشروع بعدًا تطبيقيًا يمكن أن يجعل نتائجه أكثر ارتباطًا باحتياجات القطاع الهندسي.
كما أن الجمع بين BIM وGIS والاستدامة وإدارة الأصول وإدارة المشاريع والبحث العلمي يضع أساسًا لفهم المدينة ليس كمجموعة أبنية منفصلة، وإنما كمنظومة معلومات وأصول مترابطة تمتد دورة حياتها من التخطيط والتصميم إلى التنفيذ والتشغيل والصيانة.
وفي مرحلة تحتاج فيها المشاريع العمرانية السورية إلى تطوير أدواتها ومعاييرها وآليات إدارتها، تبرز أهمية مثل هذه المبادرات في تحويل التقانات الحديثة من برامج مستخدمة بصورة فردية إلى منهجيات مؤسسية قابلة للقياس والتوثيق والتطوير.
وبذلك يمكن أن تشكل أبحاث باسيليا سيتي، إلى جانب تطوير الأدلة المحلية لنمذجة معلومات البناء، نقطة انطلاق لبناء تجربة سورية أكثر نضجًا في التنمية العمرانية المستدامة والهندسة الرقمية، يكون فيها البحث العلمي مرتبطًا مباشرة بالمشروع الحقيقي، وتُقاس فيها قيمة الحلول الهندسية بما تحققه من تحسين فعلي في أداء المبنى والمدينة قبل التنفيذ وبعده.