سلّط مؤتمر Construction of Tomorrow 2026، الذي انعقد في العاصمة البلغارية صوفيا يوم 30 سبتمبر، الضوء على التحولات الرقمية والتكنولوجية التي يعاد من خلالها تشكيل قطاع البناء، بدءًا من نمذجة معلومات البناء BIM والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية، وصولًا إلى الأتمتة والروبوتات والطائرات المسيّرة وتقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد وإدارة الطاقة في المباني.
ونُظمت الفعالية من قبل Investor.bg وImoti.net في Inter Expo Center، بمشاركة ممثلين عن قطاعات العمارة والهندسة والبناء والاستثمار والتطوير العقاري والتكنولوجيا وإدارة الأصول. ووفق الصفحة الرسمية للمؤتمر، استهدف الحدث أكثر من 150 مشاركًا، فيما توزعت أعماله على سلسلة من الجلسات التي تناولت مستقبل المدن والبناء والتكنولوجيا والاستدامة والاستثمار.
ويأتي المؤتمر في وقت لم تعد فيه الرقمنة في قطاع البناء مرتبطة باستخدام برنامج هندسي منفرد، بل باتت تتجه نحو بيئة مترابطة من البيانات والنماذج الرقمية والتحليل والأتمتة، يمكن من خلالها الانتقال من التصميم إلى التنفيذ ثم التشغيل وإدارة الأصل ضمن تدفق معلومات أكثر تكاملًا.
من BIM إلى التوأم الرقمي والذكاء الاصطناعي
خصص المؤتمر محورًا كاملًا بعنوان «الثورة التكنولوجية في البناء» لمناقشة التحولات التي بدأت تنتقل تدريجيًا من التطبيقات التجريبية إلى الممارسة المهنية.
وكانت نمذجة معلومات البناء BIM من التقنيات التي أعلن المنظمون قبل المؤتمر أنها ستكون ضمن هذا النقاش، إلى جانب الذكاء الاصطناعي في التصميم وإدارة المشاريع، والتوائم الرقمية Digital Twins، والأتمتة والروبوتات، والطائرات المسيّرة لمراقبة مواقع البناء.
أما البرنامج الرسمي للمؤتمر فوسّع هذا المحور ليشمل كذلك Smart Construction Management، والحلول الرقمية لمراقبة مواقع التنفيذ، وتقنيات الطاقة المتجددة، والمواد الإنشائية المستدامة، مع طرح سؤال مباشر حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه الروبوتات في تنفيذ مباني المستقبل.
وتشير هذه المحاور مجتمعة إلى تطور مفهوم الرقمنة الإنشائية من إنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد إلى التعامل مع نظام معلومات متكامل للمشروع؛ فـBIM يوفر البنية المنظمة للمعلومات الهندسية، بينما يمكن للتوأم الرقمي ربط الأصل الفيزيائي ببيانات تشغيلية متجددة، ويضيف الذكاء الاصطناعي إمكانات جديدة لتحليل المعلومات ودعم القرارات والأتمتة.
الذكاء الاصطناعي يدعم المهندس ولا يلغي دوره
وكانت العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والخبرة الهندسية من القضايا التي برزت خلال المناقشات الفعلية للمؤتمر.
وقال المهندس Zafir Zafirov، المصمم ورئيس القسم التقني للسقالات في PERI Bulgaria، إن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني تسليم عملية التصميم بالكامل للخوارزميات، مؤكدًا ضرورة بقاء القرار الهندسي والتحقق من الحلول بيد المختصين.
وأوضح خلال المؤتمر أن الحلول الهندسية لا ينبغي أن تصدر من البداية إلى النهاية اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي وحده، بل يجب أن يبقى المهندس مسؤولًا عن إدارة العملية والمراجعة والتحقق.
ويعكس هذا النقاش أحد أهم التحديات التي تواجه التحول الرقمي في قطاع AEC اليوم: فالقيمة الأساسية للذكاء الاصطناعي لا تكمن بالضرورة في استبدال المصمم أو المهندس، وإنما في تسريع معالجة المعلومات، وتوليد البدائل، ودعم اتخاذ القرار وتقليل الأعمال المتكررة مع المحافظة على المسؤولية المهنية البشرية.
الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد تصلان إلى موقع البناء
لم يقتصر النقاش على رقمنة التصميم وإدارة المعلومات، بل امتد إلى أتمتة العمل الميداني نفسه.
وخلال جلسة التكنولوجيا، جرى استعراض التطورات المرتبطة بـالطباعة ثلاثية الأبعاد في البناء والروبوتات. وأشار الباحث Aleksandar Nikolov من الأكاديمية البلغارية للعلوم إلى أن الطباعة ثلاثية الأبعاد بدأت تستخدم في منشآت صغيرة، وأنها قد تقلل بصورة كبيرة حجم العمل اليدوي في بعض التطبيقات، لكنها في المقابل تخلق طلبًا على تخصصات جديدة في النمذجة وتشغيل وإدارة أنظمة الطباعة.
كما أوضح Zafirov أن تقنيات روبوتية مرتبطة بأنظمة السقالات أصبحت موضع تطوير فعلي، بما يشير إلى أن الأتمتة في قطاع البناء تتجه تدريجيًا من البرمجيات والمكاتب الهندسية إلى المهام الفيزيائية داخل الموقع.
ولا يعني ذلك أن المواقع الإنشائية التقليدية ستختفي قريبًا، وإنما أن بعض الأعمال المتكررة أو الخطرة أو التي تتطلب مراقبة مستمرة قد تصبح أكثر قابلية للأتمتة خلال السنوات المقبلة.
البيانات والطاقة والاستدامة ضمن منظومة واحدة
وربط المؤتمر كذلك بين التحول الرقمي وأهداف الاستدامة، إذ ناقشت الجلسات استخدام التقنيات الحديثة للحد من استهلاك الطاقة والانبعاثات، إضافة إلى تطوير مواد بناء ذات أثر بيئي أقل.
وأوضح ممثل SKE Engineering، Lyudmil Tsvetkov، أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تحليل سيناريوهات أسعار واستهلاك الطاقة لفترات أطول، بما يدعم إدارة الأنظمة بصورة أكثر كفاءة، رغم أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي نفسها تحتاج إلى كميات كبيرة من الطاقة وموارد التبريد.
وناقش المشاركون أيضًا الأسمنت منخفض الانبعاثات ومواد البناء البديلة والطباعة ثلاثية الأبعاد، ما يعكس اتساع مفهوم البناء الذكي ليشمل ليس فقط البرمجيات والنماذج الرقمية، وإنما أيضًا المواد والطاقة ودورة حياة المبنى.
مباني ما بعد 2030: خضراء وذكية ومتصلة
وفي محور منفصل بعنوان «مباني المستقبل: خضراء، ذكية ومستدامة»، تناول المؤتمر البناء منخفض الكربون، والمشروعات السكنية الموفرة للطاقة، والمنازل والمباني الذكية، وتمويل المشروعات الجديدة، إلى جانب السؤال عن طبيعة المساكن التي سيبحث عنها المستخدمون بعد عام 2030.
وأظهرت المناقشات أن إضافة الأنظمة الذكية وتقنيات الاستقلال والكفاءة الطاقية قد ترفع التكلفة الاستثمارية الأولية لبعض المشروعات، لكنها يمكن أن تسهم في المقابل في تقليل المصاريف التشغيلية وتحسين أداء المبنى على المدى الطويل.
وهنا تكتسب منهجيات مثل BIM والتوائم الرقمية أهمية تتجاوز مرحلة التصميم، إذ يصبح التعامل مع بيانات المبنى خلال التشغيل والصيانة وإدارة الطاقة والأصول جزءًا من دورة حياته الرقمية.
مستقبل المدن وليس المباني فقط
وسّع Construction of Tomorrow 2026 النقاش من مستوى المبنى إلى مستوى المدينة. فقد تناولت الجلسة الافتتاحية مستقبل صوفيا والمدن البلغارية خلال دورة البناء المقبلة، وإعادة استخدام الأراضي والمنشآت الصناعية المهجورة، وتطوير البنية التحتية والخدمات العامة والمساحات الخضراء.
كما ناقش المشاركون مفهوم «مدينة الـ15 دقيقة»، والتكيف مع تغير المناخ، والإدارة الأفضل لمياه الأمطار، والحد من ظاهرة الجزر الحرارية، وربط التطوير العقاري بالبنية التحتية الاجتماعية والنقل والمساحات العامة.
واختتم البرنامج بمحور حول الخريطة الجديدة للاستثمارات في بلغاريا، متناولًا مستقبل مجمعات الأعمال والتجزئة، والمشروعات متعددة الاستخدامات، والمراكز اللوجستية، وإمكانات المدن الواقعة خارج صوفيا في جذب مشروعات واستثمارات جديدة.
التحول الرقمي للبناء يتحول إلى منظومة مترابطة
وتبرز أهمية Construction of Tomorrow 2026 هندسيًا في جمع عدد من المسارات التي كانت تُناقش سابقًا بصورة منفصلة ضمن إطار واحد: BIM، الذكاء الاصطناعي، التوائم الرقمية، إدارة البناء الذكية، الروبوتات، الطائرات المسيّرة، الطاقة والمواد منخفضة الكربون.
ومع تطور هذه التقنيات، يتجه مستقبل قطاع البناء نحو نموذج تصبح فيه المعلومات الهندسية عنصرًا مستمرًا منذ المراحل الأولى للتصميم، مرورًا بالتنسيق والتخطيط والتنفيذ ومراقبة الموقع، وصولًا إلى تشغيل المبنى وإدارة أصوله.
وبذلك لم يعد السؤال المطروح على القطاع هو ما إذا كانت التقنيات الرقمية ستدخل إلى البناء، بل كيف سيتم دمجها ضمن سير عمل هندسي واحد، ومن سيدير البيانات والقرارات الناتجة عنها، وكيف ستتطور مهارات المهندسين والمؤسسات للاستفادة منها بصورة عملية وآمنة وفعالة.