قد يكون أحد أكبر التحولات المقبلة في قطاع BIM والهندسة الرقمية ليس ظهور برنامج هندسي جديد ينافس Revit أو AutoCAD فحسب، بل تغير الطريقة التي يتم بها بناء الأدوات الهندسية واستخدامها أصلًا.
فمع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وخصوصًا الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء الأذكياء AI Agents وأدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، أصبحت إمكانية تطوير تطبيق هندسي متخصص أقرب بكثير إلى المهندس أو المعماري مما كانت عليه سابقًا.
وهذا يفتح الباب أمام نموذج مختلف عن البرمجيات الهندسية التقليدية:
بدل أن يتكيف كل مشروع مع مجموعة ثابتة من الأدوات داخل برنامج عام، يمكن مستقبلاً تطوير أداة أو تطبيق متخصص وفق طبيعة المشروع نفسه.
فمشروع مسجد قد يمتلك أدواته المعمارية الخاصة، ومشروع ترميم أثري قد يحتاج إلى منصة مختلفة، بينما يمكن للمستشفيات أو المنشآت الصناعية أو شبكات البنية التحتية أن تمتلك تطبيقات مبنية حول متطلباتها وبياناتها ومعاييرها الخاصة.
BIM متخصص بدل البرنامج العام
تقوم معظم برامج BIM الحالية على تقديم منظومة واسعة تخدم أنواعًا متعددة من المشاريع والتخصصات.
لكن التطور في البرمجة والذكاء الاصطناعي يسمح تدريجيًا ببناء طبقة جديدة من التطبيقات الأكثر تخصصًا، تستطيع الاستفادة من مبادئ BIM الأساسية مثل:
النمذجة البارامترية، إدارة المعلومات، Families، الطبقات، حصر الكميات Quantity Takeoff، استخراج البيانات، إدارة العناصر والعلاقات بينها، وربط النموذج بعمليات التصميم والتحليل.
الاختلاف أن هذه الأدوات يمكن أن تُبنى حول مجال هندسي محدد جدًا بدل محاولة تقديم كل شيء لكل المستخدمين.
ومن الأمثلة الحديثة على هذا الاتجاه تجربة Mesjid BIM التي طورها المعماري والباحث د. سامر السياري كتطبيق متخصص في تصميم المساجد.
يضم الإصدار الأول من التطبيق أكثر من 80 عنصرًا من عناصر العمارة الإسلامية، من بينها أنواع من المآذن والقباب والعقود، إلى جانب عناصر بارامترية وأدوات لإدارة الطبقات والكميات والعائلات، مع إمكانات للتعامل مع بيئات مثل Revit وAutoCAD.
لكن أهمية التجربة لا تتوقف عند تصميم المساجد بحد ذاته.
الأهم هو النموذج الذي تقترحه.
ماذا لو أصبح لكل قطاع BIM خاص به؟
يمكن تطبيق الفكرة نفسها على عشرات المجالات الهندسية.
في التراث المعماري، على سبيل المثال، يمكن تطوير تطبيق يحتوي على مكتبات للعناصر التاريخية، وتصنيفات التلف، وبيانات التوثيق والمسح ثلاثي الأبعاد، وربطها بنماذج HBIM.
وفي تصميم المستشفيات يمكن أن تُبنى أدوات متخصصة للتحقق من العلاقات الوظيفية، ومسارات المرضى، ومتطلبات الغرف الطبية والتجهيزات.
أما في المشاريع الصناعية فيمكن تطوير أدوات ترتبط بالمعدات وخطوط الإنتاج والصيانة والتشغيل.
وفي البنية التحتية يمكن أن تظهر تطبيقات موجهة للطرق أو شبكات المياه أو الطاقة أو السكك الحديدية.
وقد تصل الفكرة إلى مستوى أكثر تخصصًا بحيث لا يكون لكل قطاع برنامجه فقط، بل يصبح من الممكن أن يمتلك كل مكتب هندسي أو حتى كل مشروع كبير مجموعة أدواته الخاصة.
الذكاء الاصطناعي يغيّر معادلة تطوير البرمجيات
العامل الذي يجعل هذا السيناريو أكثر واقعية اليوم هو الذكاء الاصطناعي.
ففي السابق كان تطوير تطبيق هندسي متقدم يتطلب فريقًا كبيرًا يجمع بين البرمجة والهندسة وتصميم الواجهات وقواعد البيانات.
أما اليوم، فإن أدوات AI-assisted coding تستطيع مساعدة المهندس على كتابة الأكواد وبناء الواجهات ومعالجة البيانات وربط الخدمات البرمجية وتطوير النماذج الأولية بسرعة أكبر بكثير.
وهنا قد يظهر دور جديد للمهندس.
فبدل أن تكون مهاراته الرقمية مقتصرة على:
Revit – AutoCAD – Navisworks – Rhino – Grasshopper
قد تصبح المعرفة بكيفية تصميم Workflow، بناء أداة، التعامل مع API، تنظيم البيانات، وتوجيه الذكاء الاصطناعي لإنشاء وظائف هندسية جزءًا متزايد الأهمية من مهارات المهندس الرقمي.
لن يعني ذلك بالضرورة أن جميع المهندسين سيصبحون مبرمجين محترفين.
لكن الحدود بين الهندسة والبرمجة والتصميم الحاسوبي والذكاء الاصطناعي مرشحة لأن تصبح أقل وضوحًا.
AI Agent داخل بيئة BIM
المستوى الأكثر تقدمًا من هذا الاتجاه يظهر عند إدخال AI Agent إلى داخل بيئة التصميم نفسها.
في هذه الحالة لا يعمل الذكاء الاصطناعي فقط كنافذة محادثة تجيب عن الأسئلة، بل يمكن أن يصبح قادرًا على فهم عناصر النموذج والبيانات المرتبطة به وتنفيذ سلسلة من العمليات.
على سبيل المثال، يمكن مستقبلاً لوكيل متخصص أن يتلقى طلبًا مثل:
«اقترح ثلاثة بدائل لتوزيع هذا الفراغ مع المحافظة على القيود الإنشائية ومسارات الحركة».
ثم يقوم بقراءة بيانات المشروع، وتوليد البدائل، وإنشاء العناصر، ومقارنة النتائج، وإعادة المعلومات إلى المصمم.
وفي التطبيقات المتخصصة يمكن أن يكون الوكيل مدربًا أو مزودًا بمعرفة مرتبطة بمجال محدد.
وهذا هو الاتجاه الذي يعمل عليه مطور Mesjid BIM في الإصدار الثاني من المشروع، عبر تطوير وكيل ذكاء اصطناعي أكثر تخصصًا في العمارة الإسلامية يمكنه المساعدة في التفكير التصميمي وتوليد بعض العناصر ودعم عملية التصميم.
حتى طريقة تسليم المشروع قد تتغير
هذا التحول لا يتعلق فقط بطريقة إنشاء النموذج.
حتى مفهوم Deliverables قد يتغير.
فعوضًا عن أن ينتهي المشروع بمجموعة من ملفات PDF وDWG ونموذج BIM مستقل، يمكن أن يحصل المالك مستقبلًا على تطبيق تفاعلي خاص بالمشروع.
يفتح التطبيق المشروع ويتيح للمستخدم التجول فيه، والاستعلام عن العناصر، ورؤية الكميات والمواصفات، ومقارنة البدائل، وربما التواصل مع وكيل ذكاء اصطناعي يفهم بيانات المشروع نفسها.
وبذلك يتحول النموذج الرقمي من ملف هندسي يحتاج إلى برنامج متخصص لقراءته إلى واجهة معلومات تفاعلية مرتبطة بالمبنى.
هل يعني ذلك نهاية Revit وAutoCAD؟
ليس بالضرورة.
الأقرب هو أن تتغير العلاقة مع هذه البرامج.
فبدل أن تكون التطبيقات الهندسية الكبيرة هي المكان الوحيد الذي تتم فيه جميع العمليات، قد تصبح جزءًا من منظومة أوسع تضم:
BIM Platforms + APIs + Open Standards + AI Agents + Specialized Applications + Project-specific Tools.
وقد تعمل بعض التطبيقات فوق Revit أو تتصل به، بينما تعتمد تطبيقات أخرى على IFC أو قواعد بيانات مفتوحة أو محركات نمذجة مستقلة.
لذلك فإن القضية ليست استبدال برنامج ببرنامج آخر بقدر ما هي انتقال محتمل من عصر البرامج العامة المغلقة نسبيًا إلى عصر المنصات والأدوات المتخصصة والمترابطة.
تحدٍ آخر: البيانات والمعايير
لكن سهولة بناء التطبيقات لا تعني أن بناء أداة هندسية موثوقة أصبح أمرًا بسيطًا.
فالبرمجيات الهندسية يجب أن تتعامل مع قضايا تتجاوز واجهة الاستخدام، من بينها:
دقة البيانات، هندسة المعلومات، قابلية تبادل النماذج، IFC، openBIM، الإحداثيات، التحقق من النتائج، الاعتمادية، أمن البيانات، إدارة الإصدارات، والتكامل مع بقية مراحل دورة حياة المشروع.
ولهذا قد تصبح المعايير المفتوحة أكثر أهمية، وليس أقل أهمية، في عالم تنتشر فيه التطبيقات المتخصصة.
فإذا أصبحت كل شركة قادرة على بناء أدواتها، ستكون الحاجة أكبر إلى وجود لغة مشتركة تسمح لهذه الأدوات بتبادل المعلومات.
من «مستخدم برنامج» إلى «مصمم نظام»
ترى بيمار أن التطور اللافت هنا ليس تطبيقًا واحدًا بحد ذاته، وإنما التحول في طبيعة المهارات الهندسية الرقمية.
طوال عقود كان السؤال المعتاد للمهندس:
ما البرنامج الذي يجب أن أتعلمه؟
وقد يصبح السؤال خلال السنوات المقبلة أكثر اتساعًا:
ما المشكلة التي أريد حلها؟ وما الأداة التي أحتاج إلى بنائها لحلها؟
فالتطور الهندسي الرقمي لم يتوقف عند الانتقال من الرسم اليدوي إلى CAD، ولا عند الانتقال من CAD إلى BIM.
واليوم، مع BIM والبرمجة البارامترية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والوكلاء الأذكياء، قد نكون أمام مرحلة جديدة يكون فيها المهندس قادرًا ليس فقط على استخدام البيئة الرقمية، بل على المشاركة في تصميمها وبناء أدواتها وتخصيصها وفق احتياجات تخصصه ومشروعه.
ومشروع Mesjid BIM ليس إلا مثالًا مبكرًا على الإمكانية التي تطرحها هذه المرحلة.
فالقاعدة التي يقوم عليها يمكن نقلها نظريًا إلى العمارة والتراث والإنشاء والبنية التحتية والطاقة والتخطيط والصناعة وغيرها من المجالات.
ويبقى التطور مستمرًا.
وربما لا يكون مستقبل الهندسة مرتبطًا باسم برنامج واحد بقدر ارتباطه بقدرة المهندس على إدارة البيانات، وربط الأنظمة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي، وبناء الأدوات المناسبة للمشكلة الهندسية التي يعمل عليها.