في نموذج متقدم للتعاون الأكاديمي والهندسي الدولي، تتشارك الجامعة الافتراضية السورية (SVU)، ممثلة ببرنامج ماجستير إدارة ونمذجة معلومات البناء BIMM، ومركز BIMAR البحثي، مع كل من جامعة فلنسبورغ للعلوم التطبيقية Hochschule Flensburg وجامعة كيل للعلوم التطبيقية Fachhochschule Kiel في ألمانيا، ضمن مشروع بحثي وتطبيقي دولي يركز على تطوير حلول متقدمة في هندسة طاقة الرياح، وبمشاركة طلاب وباحثين من عدة دول.
ويأتي هذا التعاون في إطار جهود تجمع المهندسين السوريين في ألمانيا VSI – Verein der syrischen Ingenieure in Deutschland e.V.، الذي عمل على بناء قنوات تواصل أكاديمية ومهنية بين المؤسسات الجامعية السورية والألمانية، بهدف دعم المشاريع الهندسية المشتركة، وتبادل الخبرات البحثية والأكاديمية، وإتاحة الفرصة أمام الطلاب والباحثين للعمل ضمن فرق دولية متعددة الاختصاصات.
«Optimus Syria 5.0».. مشروع هندسي برؤية تطبيقية لسوريا
يتجسد التعاون ضمن مشروع Optimus Syria 5.0، الذي يُنفذ في سياق برنامج ماجستير Wind Energy Engineering – هندسة طاقة الرياح، ويركز على تطوير تصور هندسي متكامل لتوربين رياح يمكن تكييفه مع الظروف والإمكانات المحلية في سوريا.
ولا يقتصر الهدف من المشروع على تطوير نموذج تقني لتوربين رياح من الناحية النظرية، بل يمتد إلى دراسة إمكانية تصنيعه وتركيبه وتشغيله وصيانته محليًا في سوريا، بما يفتح المجال أمام بناء منظومة هندسية تعتمد بصورة أكبر على الخبرات والكفاءات الوطنية، وتساهم في نقل المعرفة والتكنولوجيا في مجال الطاقة المتجددة.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لكونها تربط البحث الأكاديمي بمتطلبات التنفيذ الفعلي، من خلال دراسة الجوانب الهندسية والتقنية والإدارية والرقمية التي تتحكم بدورة حياة مشروع طاقة الرياح، بدءًا من التصميم والتحليل والتخطيط، وصولًا إلى التصنيع والتركيب والتشغيل والصيانة.
تكامل BIM مع هندسة الطاقة وإدارة المشاريع
وتبرز أهمية المشاركة السورية في المشروع من خلال التكامل بين مجموعة من التخصصات الهندسية التي تشكل عناصر أساسية في تطوير مشاريع الطاقة المتجددة الحديثة، وفي مقدمتها نمذجة وإدارة معلومات البناء BIM، وهندسة الطاقات النظيفة والمتجددة، وإدارة المشاريع الهندسية.
ويشارك في الإشراف الأكاديمي والتخصصي على الفرق السورية كل من:
الدكتورة سونيا أحمد، مديرة برنامج ماجستير إدارة ونمذجة معلومات البناء BIMM في الجامعة الافتراضية السورية ومديرة مركز BIMAR البحثي.
الدكتورة المهندسة ضحى جديد، في تخصص الطاقات النظيفة والمتجددة، إلى جانب فريقها.
الدكتور محمد شعبان، في تخصص إدارة المشاريع، إلى جانب فريقه.
الدكتور المعمار علاء القاضي، في تخصص نمذجة معلومات البناء BIM، إلى جانب فريقه.
وتضم فرق العمل نخبة من خريجي وطلاب ماجستير BIM في الجامعة الافتراضية السورية، بما يتيح توظيف المعارف المتعلقة بإدارة المعلومات الرقمية والتنسيق متعدد التخصصات ضمن مشروع هندسي ذي طبيعة حقيقية ومركبة.
BIM يتجاوز قطاع المباني نحو مشاريع الطاقة والبنية التحتية
وتقدم المشاركة في المشروع مثالًا على التوسع المتزايد في تطبيق منهجية BIM خارج نطاق المباني التقليدية، لتشمل مشاريع الطاقة والبنية التحتية والأصول الصناعية.
ففي مشاريع توربينات الرياح، يمكن لمنهجيات إدارة المعلومات الرقمية أن تدعم تنسيق البيانات المرتبطة بالهيكل الإنشائي، والمكونات الميكانيكية والكهربائية، وأعمال الأساسات، والربط مع شبكات الطاقة، والتخطيط اللوجستي، وتسلسل التركيب، إضافة إلى إدارة المعلومات اللازمة للتشغيل والصيانة خلال دورة حياة الأصل.
كما يسمح التكامل بين BIM وإدارة المشاريع بتطوير بيئة معلومات مشتركة تساعد على تحسين التواصل بين الفرق متعددة الاختصاصات، وتقليل التعارضات، وتنظيم عمليات تبادل البيانات، وربط القرارات التصميمية بالاعتبارات الزمنية والتنفيذية والتشغيلية.
ويعكس ذلك تحول BIM من مجرد أداة لإنتاج النماذج ثلاثية الأبعاد إلى منهجية متكاملة لإدارة المعلومات الهندسية واتخاذ القرار طوال دورة حياة المشروع.
مشروع يجمع 48 طالبًا من 11 دولة
ويحمل المشروع بعدًا دوليًا واضحًا، إذ يضم 48 طالبًا من 11 دولة مختلفة، يعملون ضمن بيئة تعليمية وبحثية مشتركة تجمع بين تخصصات وخلفيات أكاديمية متعددة.
ومن شأن هذا النوع من المشاريع أن يمنح المشاركين خبرة مباشرة في العمل الهندسي متعدد الثقافات والتخصصات، ويقرب البيئة الأكاديمية من طبيعة المشاريع الهندسية الدولية التي تتطلب التنسيق بين فرق موزعة جغرافيًا وتعمل ضمن معايير وأساليب مختلفة.
كما يمثل إشراك الخريجين والباحثين السوريين في المشروع فرصة لتبادل الخبرة مع المؤسسات الأكاديمية الألمانية، والاطلاع على أساليب تطوير مشاريع الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة الكوادر السورية في مجالات التحول الرقمي والهندسة المستدامة.
شراكة أكاديمية لبناء المعرفة وليس نقلها فقط
ويكتسب مشروع Optimus Syria 5.0 قيمة إضافية من تركيزه على مفهوم بناء القدرة المحلية، بدل الاكتفاء باستيراد الحلول التقنية الجاهزة.
فالهدف المعلن للمشروع يتمثل في الوصول إلى تصميم لتوربينات رياح يمكن أن تكون عملية التصنيع والتركيب والصيانة المرتبطة بها قابلة للتنفيذ محليًا في سوريا، بالاستناد إلى الإمكانات الفنية والخبرات الوطنية، مع الاستفادة من المعرفة الأكاديمية والهندسية الدولية.
ويعني ذلك أن المشروع يتناول، إلى جانب الأداء الفني للتوربين، أسئلة مرتبطة بقابلية التصنيع، وتوفر المواد والمكونات، وسلاسل التوريد، والخدمات اللوجستية، وإمكانات الصيانة، وإدارة المخاطر، والتكلفة، ومتطلبات التشغيل ضمن البيئة المحلية.
ومن هذا المنظور، يتحول المشروع إلى تجربة بحثية تتقاطع فيها الهندسة الميكانيكية والإنشائية والطاقة المتجددة وإدارة المشاريع ونمذجة معلومات البناء والتحول الرقمي ضمن إطار تطبيقي مشترك.
جسور أكاديمية بين سوريا وألمانيا
وجاء بناء الشراكة بين المؤسسات المشاركة نتيجة جهود تنسيق قام بها تجمع المهندسين السوريين في ألمانيا VSI، وبمساهمة كل من الدكتور المعمار علاء القاضي والدكتور المهندس لورنس آل رشي، بهدف مد جسور التعاون بين الجامعات والمؤسسات البحثية السورية والألمانية.
ويسعى هذا النوع من التعاون إلى تأسيس مسارات طويلة الأمد لتبادل الخبرات والبحث العلمي، وإشراك الطلبة السوريين في مشاريع هندسية دولية، وربط برامج الدراسات العليا السورية ببيئات بحث وتطوير خارجية متقدمة.
كما يفتح المجال أمام تطوير نماذج جديدة للتعاون بين الجامعات والجاليات الهندسية السورية في الخارج، بحيث تتحول الخبرات المتراكمة للمهندسين السوريين دوليًا إلى رافعة لدعم التعليم العالي والبحث والتطوير ونقل المعرفة إلى الداخل السوري.
العرض الختامي للمشروع
ومن المقرر أن يقدم الطلاب المشاركون العرض الختامي لمشروع Optimus Syria 5.0 في 2 شباط/فبراير، حيث تستعرض الفرق النتائج التي توصلت إليها خلال فترة العمل، إلى جانب الحلول والمقترحات الهندسية المتعلقة بتطوير توربينات الرياح وإمكانية تكييفها مع المتطلبات المحلية.
ومن المنتظر أن يشكل العرض محطة لتقييم مخرجات العمل المشترك، وإظهار قدرة الفرق المشاركة على دمج الجوانب التقنية والإدارية والرقمية ضمن تصور هندسي متكامل.
نموذج للتعاون الهندسي المرتبط باحتياجات التنمية
يمثل المشروع نموذجًا لكيفية توجيه التعاون الأكاديمي الدولي نحو قضايا ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات التنمية المستقبلية في سوريا، ولا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة والتحول الرقمي وتطوير البنية التحتية وبناء القدرات الهندسية المحلية.
كما يعكس مشاركة برنامج BIMM في الجامعة الافتراضية السورية ومركز BIMAR البحثي توجهًا نحو توسيع تطبيقات نمذجة وإدارة المعلومات لتشمل مشاريع هندسية متعددة القطاعات، وربطها بمفاهيم الاستدامة والطاقة وإدارة الأصول والهندسة الرقمية.
وفي ظل التحديات التي تواجه قطاع الطاقة والبنية التحتية، تبرز مثل هذه المبادرات بوصفها مساحة عملية لدمج البحث العلمي، والتعليم الهندسي، والتعاون الدولي، والتكنولوجيا الرقمية في تطوير حلول قابلة للتكيف مع الواقع المحلي، مع الاستثمار في العنصر البشري السوري بوصفه الأساس لأي تحول هندسي وتقني مستدام.