في خطوة تعكس توجهاً متنامياً نحو تحديث قطاع البناء والتشييد في سوريا، أعلنت نقابة المهندسين السوريين تشكيل اللجنة العليا لتقنية نمذجة معلومات البناء (BIM) على مستوى الجمهورية العربية السورية، لتكون إطاراً مهنياً وطنياً يُعنى بتطوير تطبيقات البناء الرقمي، وتنظيم الممارسات المرتبطة بإدارة معلومات المشاريع الهندسية.
ولا تقتصر أهمية هذا الإعلان على تشكيل لجنة هندسية تخصصية جديدة، بل تتمثل في الانتقال التدريجي بتقنية BIM من نطاق المبادرات الفردية والتطبيقات المتفرقة إلى مستوى العمل المؤسسي المنظم، بما يفتح المجال أمام تطوير مرجعية وطنية تساعد على توحيد المفاهيم والمتطلبات والمسؤوليات وآليات تبادل المعلومات بين مختلف أطراف المشروع.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مسار أوسع تعمل من خلاله نقابة المهندسين السوريين على إدخال منهجيات نمذجة معلومات البناء إلى الممارسة الهندسية الوطنية؛ إذ سبق للنقابة أن أعلنت في تموز 2025 تشكيل لجنة لإعداد كود سوري خاص بـBIM، ضمن رؤية تستهدف دعم إعادة الإعمار وفق منهجيات أكثر تطوراً واستدامة، وصولاً إلى إطلاق الإطار السوري لنمذجة معلومات البناء في آب 2026.
BIM بوصفه منهجاً لإدارة المعلومات
غالباً ما يُختزل مفهوم BIM في البرامج الهندسية أو النماذج ثلاثية الأبعاد، إلا أن المفهوم المهني أكثر شمولاً من ذلك. فنمذجة معلومات البناء تمثل منهجية متكاملة لإنتاج معلومات الأصول المبنية وتنظيمها وتبادلها وإدارتها، ابتداءً من التخطيط والتصميم، مروراً بالتنفيذ والتشغيل والصيانة، ووصولاً إلى إعادة التأهيل أو نهاية العمر التشغيلي للأصل.
وتوضح سلسلة المواصفات الدولية ISO 19650 أن BIM يرتبط أساساً بإدارة المعلومات، بما يشمل تنظيم عمليات تبادل البيانات وتسجيلها ومراجعتها وإصدار نسخها وتحديد مسؤوليات الجهات المشاركة خلال كامل دورة حياة المباني ومشاريع البنية التحتية.
ومن هذا المنطلق، فإن تشكيل لجنة وطنية عليا لتقنية BIM يمكن أن يسهم في نقل القطاع من التركيز على اقتناء البرمجيات وإنتاج النماذج إلى بناء منظومة متكاملة تشمل السياسات والمعايير والإجراءات والموارد البشرية والبيئات الرقمية اللازمة لإدارة المعلومات بكفاءة.
مرجعية وطنية لتنظيم التطبيق
تتمثل إحدى أبرز المهام المعلنة للجنة العليا في تطوير الأطر المهنية والمعايير المرتبطة بتطبيق BIM على المستوى الوطني. وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في ظل تعدد المصطلحات وأساليب العمل ومتطلبات التسليم المستخدمة حالياً بين المؤسسات والمكاتب الهندسية والشركات.
فغياب مرجعية موحدة قد يؤدي إلى اختلاف طرق إعداد النماذج، ومستويات المعلومات المطلوبة، وآليات التنسيق بين الاختصاصات، وصيغ تبادل البيانات، وتوزيع المسؤوليات بين المالك والاستشاري والمقاول والجهات المشغلة.
ومن المنتظر أن يسهم العمل المؤسسي للجنة في وضع أسس أكثر وضوحاً لتنظيم مجموعة من القضايا المهنية، من بينها:
تحديد متطلبات المعلومات في مراحل المشروع المختلفة.
تنظيم إعداد خطط تنفيذ BIM وتوزيع الأدوار والمسؤوليات.
تطوير آليات التنسيق بين الاختصاصات الهندسية.
توحيد المصطلحات ونماذج الوثائق والتسليمات الرقمية.
تشجيع استخدام المعايير المفتوحة وقابلية التشغيل البيني بين البرامج.
مواءمة الممارسات الدولية مع البيئة التشريعية والمهنية والاقتصادية السورية.
ولا يعني تطوير إطار وطني نسخ التجارب الدولية بصورة مباشرة، بل يتطلب دراسة واقع قطاع التشييد السوري، وقدرات المؤسسات والمكاتب الهندسية، ومستوى البنية الرقمية المتاحة، وطبيعة المشروعات المقبلة، ثم صياغة متطلبات قابلة للتطبيق والتدرج والتطوير.
لجان فرعية لنشر المعرفة في المحافظات
يتضمن نطاق عمل اللجنة العليا دعم تشكيل لجان فرعية متخصصة في فروع نقابة المهندسين بالمحافظات، بما يسمح بتوسيع المشاركة المهنية وعدم حصر أنشطة BIM في مركز واحد.
ويمكن لهذه اللجان أن تشكل حلقة وصل بين المرجعية الوطنية والواقع العملي في المحافظات، من خلال تنظيم الندوات والدورات التدريبية، ورصد احتياجات المهندسين والمؤسسات، وتوثيق التحديات التي تواجه تطبيق BIM في المشروعات المحلية.
كما يمكن أن تسهم اللجان الفرعية في بناء مجتمع مهني سوري يضم المهندسين المعماريين والمدنيين والميكانيكيين والكهربائيين ومديري المشاريع وخبراء العقود والتكاليف وإدارة المنشآت، انطلاقاً من أن BIM لا يرتبط باختصاص منفرد، بل يعتمد على التكامل بين جميع الجهات المشاركة في إنتاج الأصل المبني وإدارته.
وكان فرع نقابة المهندسين في حمص قد شهد بالفعل تشكيل لجنة فرعية لنمذجة وإدارة معلومات البناء عام 2024، بما يمثل تجربة يمكن الاستفادة منها عند توسيع اللجان التخصصية على مستوى المحافظات.
بناء القدرات قبل فرض المتطلبات
يمثل تأهيل المهندسين أحد المحاور الأساسية في نجاح التحول نحو BIM. فإصدار المعايير والأدلة، على أهميته، لا يكفي ما لم يترافق مع برامج تدريبية تساعد الكوادر على فهم إدارة المعلومات والعمليات التعاونية، بدلاً من الاكتفاء بالتدريب على الأدوات البرمجية.
ويحتاج بناء القدرات الوطنية إلى مستويات متعددة تشمل التعريف بالمفاهيم الأساسية، وإعداد النماذج التخصصية، وإدارة التنسيق، وإدارة المعلومات، والتعاقد وفق متطلبات BIM، وضبط الجودة، وإدارة بيئات البيانات المشتركة، وصولاً إلى تأهيل القيادات القادرة على إدارة التحول الرقمي داخل المؤسسات.
كما يتطلب ذلك تعزيز التعاون بين النقابة والجامعات ومراكز التدريب والمكاتب الاستشارية والشركات، وربط البرامج التعليمية باحتياجات السوق والمشروعات الحقيقية، مع تطوير مسارات مهنية واضحة للعاملين في تخصصات BIM المختلفة.
BIM وإعادة الإعمار
تكتسب الخطوة بعداً استراتيجياً إضافياً عند ارتباطها بمتطلبات إعادة الإعمار وإعادة تأهيل المباني والبنية التحتية في سوريا. فالمشروعات المقبلة ستكون بحاجة إلى إدارة كميات كبيرة من البيانات، وتنسيق جهات متعددة، وضبط النفقات والجداول الزمنية، وتوثيق القرارات والتعديلات بصورة دقيقة.
وفي هذا السياق، يمكن لمنهجية BIM أن تدعم عمليات توثيق الوضع القائم، ودراسة البدائل التصميمية، والكشف المبكر عن التعارضات، وحصر الكميات، وربط النماذج بالجداول الزمنية والتكاليف، إضافة إلى إعداد قواعد معلومات تساعد في التشغيل والصيانة بعد إنجاز المشروع.
لكن تحقيق هذه الفوائد لا ينتج تلقائياً عن إنشاء نموذج رقمي، بل يتطلب تحديد أهداف واضحة لكل مشروع، وتعريف المعلومات المطلوبة، وتوزيع المسؤوليات، وإنشاء إجراءات لمراجعة البيانات واعتمادها وتحديثها.
ومن هنا تظهر أهمية وجود جهة مهنية وطنية قادرة على تقديم الإرشاد، وتطوير المتطلبات، وتقييم التجارب، واقتراح نماذج تطبيقية تتناسب مع أنواع المشروعات المختلفة.
التعاون الدولي وتوطين الخبرات
يشكل تعزيز التعاون مع المؤسسات الهندسية والجامعات والشركات العالمية المتخصصة في البناء الرقمي أحد أهداف اللجنة العليا. ويمكن لهذا التعاون أن يتيح الاستفادة من التجارب الدولية في مجالات المعايير والتشريعات والتعليم والتطبيق العملي.
غير أن القيمة الأساسية لهذا التعاون ينبغي أن تتمثل في توطين المعرفة وليس استيراد الحلول الجاهزة فقط، من خلال إشراك الخبرات السورية داخل البلاد وخارجها، ونقل التجارب إلى المؤسسات المحلية، وإنتاج أدلة ومواد تعليمية باللغة العربية، وإجراء دراسات تطبيقية على المشروعات السورية.
كما يتيح الانفتاح على المعايير المفتوحة، مثل منهجية openBIM وصيغة تبادل البيانات IFC، تعزيز قابلية تبادل المعلومات بين التطبيقات المختلفة وتقليل ارتباط المؤسسات ببرنامج أو شركة تقنية واحدة. وتعرّف buildingSMART معيار IFC بوصفه معياراً دولياً مفتوحاً لتبادل ومشاركة بيانات نماذج معلومات البناء بين التطبيقات المستخدمة في قطاع التشييد وإدارة المنشآت.
من تشكيل اللجنة إلى برنامج عمل قابل للقياس
يمثل تشكيل اللجنة العليا نقطة بداية مهمة، إلا أن الأثر الفعلي لهذه الخطوة سيعتمد على تحويل الأهداف المعلنة إلى برنامج عمل واضح، يتضمن أولويات ومراحل زمنية ومخرجات قابلة للقياس.
وقد يكون من المناسب أن يبدأ التطبيق من خلال مشروعات تجريبية مختارة، يجري من خلالها اختبار المتطلبات والأدلة المقترحة، وتقييم جاهزية المؤسسات، وقياس النتائج، ثم تطوير المنظومة قبل تعميمها على نطاق أوسع.
كما تتطلب المرحلة المقبلة إشراك مختلف مكونات قطاع التشييد في الحوار، بما يشمل الجهات الحكومية والمالكين والجامعات والنقابات والمكاتب الاستشارية والمقاولين وشركات البرمجيات وإدارة المنشآت، لأن نجاح BIM يعتمد على تكامل سلسلة العمل، وليس على أداء جهة منفردة.
نحو منظومة سورية للبناء الرقمي
يشكل الإعلان عن اللجنة العليا لتقنية نمذجة معلومات البناء خطوة مؤسسية مهمة في مسار تحديث الممارسة الهندسية السورية. كما يعكس إدراكاً متزايداً بأن تطوير قطاع التشييد لا يقتصر على تحديث الأدوات المستخدمة في التصميم، بل يتطلب تطوير طريقة إنتاج المعلومات وإدارتها وتبادلها واتخاذ القرار بالاستناد إليها.
وفي حال اقترنت هذه الخطوة بمعايير واضحة، وبرامج تأهيل منهجية، ومشروعات تجريبية، وتعاون حقيقي بين المؤسسات، فإن اللجنة يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في بناء منظومة وطنية أكثر كفاءة وشفافية وتكاملاً.
فالتحول الرقمي في قطاع البناء ليس هدفاً تقنياً منفصلاً، بل هو وسيلة لتحسين جودة المشروعات، وتقليل الهدر والأخطاء، وتعزيز القدرة على إدارة الأصول، ودعم إعادة الإعمار والتنمية على أسس علمية ومهنية أكثر استدامة.
إنها خطوة باتجاه هندسة سورية حديثة، يكون فيها البناء الرقمي جزءاً أساسياً من التخطيط للمستقبل، لا مجرد إضافة تقنية إلى أساليب العمل التقليدية.